ألسنة اللهب

العرب نيوز24

د. عبد الحق الصنايبي

من قال أن الفقر مفتاح الخضوع للفكر التكفيري؟ ومن قال بأن الصراع الطبقي هو جواز السفر نحو التنظيمات المتطرفة؟ ومن ادعى بأن رغد العيش وتطور العمران يُحصن الإنسان من تبني أطروحات متشددة تدفع بالمتطرف إلى حرق العمران وهدم الجدران والكفر بالأوطان واستباحة دم أخيه الإنسان؟

لقد كان العنوان الأصلي للمقالة ” القطبيون الجدد: ألسنة اللهب” لكن تبين لي أن سيد قطب (1906م-1966م) كان، في تقديرنا، أشجع من هؤلاء وعبّر عن أطروحاته بشكل صريح وواضح لم يكن ليخفى على أي قارئ، وهي الملاحظة التي أكدها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر بعد قراءته لكتاب “معالم في الطريق” وقال عنه “هذا الكتاب وراءه تنظيم”. أما “ألسنة اللهب” فهي أجبن من قطب بكثير ولا تجرؤ على التعبير عن حقيقة مشاعرها ومشاريعها خصوصا إذا استشعرت في رأس الدولة القوة والهيبة والهيمنة على الجوانب السياسية والعسكرية والاستخباراتية، لتبقى محتجبة في المجالس الخاصة تناور ضمن مجال ضيق تعتقد أن لها فيه “ركنا شديدا” تأوي إليه كلما اشتد الخناق حول عنقها.

إن سيد قطب لم يكن ، في حقيقة الأمر، مبتدعا لمسائل الحاكمة والجاهلية والعصبة المؤمنة والعزلة الشعورية، وإنما هي تقعيدات أصلها متشددون قبله وتبناها متطرفون بعده وربما ميزة سيد قطب أنه أعطى لهذه التأصيلات أسماء اصطلاحية ألصقت به المفاهيم وجعلتها ماركة مسجلة لابن قرية موشى المصرية الذي سعى إلى قلب نظام الحكم بعدما فشل في توجيه مجلس قيادة الثورة في اتجاه أفكاره وأطروحاته التي صاغها في أهم كتبه ومنها “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معركة الإسلام والرأسمالية” و “السلام العالمي والإسلام”، وهي الكتب التي حاولت (دون غيرها من مؤلفاته) إيجاد صيغة للتعاقد السياسي بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين الدولة المصرية والعالم الخارجي من جهة أخرى.

وربما سأل سائل وحار حائر في الظروف التي جعلت أناسا يعيشون في رغد الحياة ويأكلون مما لذ طعمه وطاب رطبه ومع ذلك يروجون لخطاب راديكالي متطرف يصنع الموت ويقتل الحياة ويقع على خط متوازي مع مبادئ التسامح ونبذ التطرف والعض بالنواجذ على مرتكزات الثوابت الوطنية؟ فهل يا ترى صدق فيهم الفضل بن عياض حين قال “ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام”.

ولعلني ربما أجد تبريرا في طبيعة هؤلاء “الشيوخ الخوارج” الذين دائما ما يكونون مجرد أداة ووسيلة تحركها أطراف لها أهداف مشبوهة تتعارض مع التوجه القائم وتسعى إلى بناء “تجمع حركي” على شكل تنظيم عنقودي يترأسه “الزعيم” الذي لا يريد أن يظهر بمظهر الآمر الناهي ويفضل الاختفاء خلف “تنظيم سري” يديره خيوطه وينفذ توصياته مجموعة من الرِّعاع الذين لا تاريخ لهم ولا مستقبل والذين يمكن التخلص منهم متى ما انتهت مدة صلاحيتهم ليصبحوا من سقط المتاع الذي لا قيمة له.

إن “الخروج” في بعده السياسي وحتى الديني يعني رفض الخضوع والالتزام بالتعاقد الشرعي الذي تضبطه مقتضيات البيعة التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين وهو التعاقد الذي يشكل أداة الضبط والربط الذي تتبلور من خلاله ظاهرة مأسسة الدولة التي يفترض أن مكوناتها المادية هي “الشعب، والإقليم والسلطة السياسية المنظمة”. وجدير بالذكر أن منطق الدولة يفرض أن رأس النظام السياسي هو الوحيد صاحب الأمر ووليه وما دونه عليهم الخضوع والسمع والطاعة في المعروف ولا حق لهم إلا واجب النصيحة وفق الأعراف والآداب التي تؤطر هذا الواجب الديني.

إن ألسنة اللهب دائما ما يتم إبرامها “بفعل فاعل” وتدبير قائل” و”فتوى شيخ” وجد في الدين سلاحا أيديولوجيا فتاكا يخفي من ورائه مآرب سياسية وأطماع دنيوية، “فاعل” يعمل على تقوية قاعدته الشعبية باللجوء إلى خطاب متشدد إقصائي هدفه التهجم على توجه الدولة، ولو على استحياء، وإطلاق المريدين للاستفراد بالأصوات التي تتبنى قناعات وطنية خالصة وتعمل على التخلص منها بأسلوب الاغتيال المعنوي والنفسي ومحاولة تغييبها على الساحة الإعلامية حتى يخلو لهم الفضاء الافتراضي والأرضي ويبقى الفكر المتطرف لوحده ينفث سمومه في ظل سكوت غير مفهوم وطرح استراتيجي غير منظوم، ليظل المارد يكبر وينمو ويبتلع المزيد من العقول والألباب وينشر عقيدة الكراهية والاستعلاء والإقصاء.

إن الوضع شاذ والمصاب جلل والأمر جسيم وألسنة اللهب مستمرة في حصد غابات جميلة وعقول عليلة وإعلام رفع الراية البيضاء أمام نيران تم استيرادها من الخارج واندلعت في حشائش الداخل اليابسة في الوقت الذي يجلس “الفاعل” مُنتشيا ومراقبا في انتظار إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية ليخرج على أتباعه مبشرا وعلى أعدائه محذرا ثم يصرخ في الجمع “منا أمير ومنكم أمير”.   

محمد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *