استهداف ولي عهد الإمارات: محاولة لضرب مركز ثقل الخليج العربي

حسن أبو سالم

تشهد وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والمنصات الإعلامية المحسوبة على التيار الإخواني أو الدول الراعية له حملة شرسة وممنهجة ضد ولي عهد الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهو الهجوم الذي يمكن فهمه في سياقاته التاريخية والسياسية لكنه يحتاج إلى تحليل في مغزى توقيته (التايمينغ)، وهو ما يدفع إلى قراءته وفق محددات البيئة الاستراتيجية الخليجية الحالية.

في هذا السياق، يفرض تفكيك أذرع هذه الهجمة الخبيثة الانتباه إلى نقطتين رئيسيتين مع ضرورة التأصيل الاستراتيجي لهذا الهجوم والذي يعكس حالة من الإفلاس السياسي والإعلامي لإحدى الدويلات المجهرية في المنطقة.

   بداية، يمكن القول بأن الهجوم الإخواني الأخير يأخذ، ولا شك، طابعا استراتيجيا وليس اعتباطيا بالنظر إلى وقوف  مجموعة من الدول ومراكز البحوث وراء توجيه السلوك الجماعي للكتائب الإلكترونية الإخوانية، وعلى رأسها معهد الدوحة للدراسات العليا والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات واللذان يسهر على توجيههما المدعو عزمي بشارة، بالإضافة إلى بعض الشخصيات التي تمثل أدوات الضبط والربط في التعامل والتنسيق بين التنظيمات العنقودية للكتائب الإلكترونية الإخوانية المنشرة حول العالم.

في هذا الصدد، يندرج الهجوم على الشيخ محمد بن زايد ضمن مبادئ الهجوم الاستراتيجي التي نظرت له بعض المدارس وعلى رأسها كارل فون كلاوزفيتز والذي يرى ضرورة “تجميع أكبر قدر من النيران وتوجيهها نحو مركز ثقل العدو”.

  وبإسقاط استراتيجية كلاوزفيتز التي ينتهجها، حاليا، من يقفون وراء الهجوم على ولي العهد الإمارات، نجد بأن الشيخ محمد بن زايد يشكل “استراتيجيا” “مركز ثقل” الإمارات، وأن إخضاع دولة الإمارات العربية المتحدة يمر، بالضرورة، عبر استهداف هذه الشخصية الكاريزمية والطعن في صورتها والنقيصة منها، ومراقبة حركاتها وسكناتها لاصطياد إحدى العثرات أو الزلات التي يمكن أن يتم استغلالها لتحقيق أهداف هذه الهجمة.

 ولعل قيمة محمد بن زايد ك”مركز ثقل” الإمارات مردها إلى كونه من الشخصيات القوية على الساحة الإماراتية والموجه الفعلي لسياستها الداخلية والخارجية، وصاحب الرؤية الاستراتيجية في خلق تحالفات قوية في المنطقة تقطع مع الوجود المادي لتنظيمات الإسلام السياسي، وكان من الأوائل الذين تفطنوا إلى خطورة التنظيم الإرهابي لجماعة الإخوان المسلمين، كما ساهم في خلق وعي جماعي ضد خطورة هذا التنظيم الإرهابي. هذا دون أن ننسى أن محمد بن زايد له الكفاءة والقدرة على توجيه القرار السياسي في مجموعة من الدول الكبرى، حيث يتحدث البعض عن قدرته في توجيه ناصية القرار الأمريكي واكتسابه لاحترام وتقدير كبيرين من دولة روسيا الاتحادية، بالإضافة إلى المكانة المتميزة التي يحظى بها في دول من قيمة الصين الشعبية والهند.

هذه المكانة التي يحظى بها ولي العهد لدى الفاعلين الجيوستراتيجيين والمحاور الجيوسياسية، تجعل من محاولة النيل منه هدفا استراتيجيا لدى الأنظمة الراعية للتنظيمات الإخوانية، خصوصا وأن الإمارات وجهت ضربات قوية لكل من قطر وفضحت مشاريعها التخريبية في المنطقة بالإضافة إلى نجاحها في هدم أسطورة الإمبراطورية العثمانية وكشف حقيقة تاريخها الدموي والإرهابي، بأسلوب ناعم تمكن من تحفيز اللا شعور العربي ودَفَعَ جزء كبير من الشارع العربي إلى إعادة النظر في الصورة المثالية التي ظل يرسمها حول التاريخ العثماني.

على مستوى التأصيل الاستراتيجي، يطرح كارل فون كلازفيتز في كتابه المرجعي “عن الحرب” (الصفحة 508) ما يطلق عليه “العوامل الرئيسية التي توصل أو تسهل الوصول إلى نجاح استراتيجي”، والتي يعتبرها “نفس العوامل الرئيسية في التأثير الاستراتيجي”، وهي كما يلي:

–          “فائدة الأرض،

–          المباغتة،                                                                    

–          الهجوم المركز،

–          تعزيز مسرح العمليات،

–          الدعم الشعبي،

–          استثمار العوامل المعنوية”.

ومن خلال استغلال هذه العوامل الهجومية، استطاعت الإمارات الحد من خطورة الدول التي راهنت على تنظيمات الإسلام السياسي لخدمة أجندات توسعية في المنطقة، وأفشلت، بذلك مخططات لزعزعة منظومة الدولة الوطنية، وهي المخططات التي تم التنظير لها منذ عقود خلت.       

على المستوى الاستراتيجي دائما، تتفق كل من قطر وتركيا وإيران على ضرورة دق إسفين في العلاقات السعودية-الإماراتية. حيث حاول هذا الثالوث، في وقت سابق، الانضباط للطرح الكلاوزفيتي من خلال العمل على ضرب مركز ثقل التحالف ممثلا في المملكة العربية السعودية، غير أن الرمزية الدينية والروحية والبنية الديمغرافية والهرمية القبلية الصلبة، دفعت هذا الثالوث إلى الانتقال إلى استراتيجية أخرى لا تقل خطورة على الأولى وهي المرتبطة بالطرح الاستراتيجي الذي أصل له السويسري هنري أنطوان دي جوميني في كتابه “موجز فن الحرب”، والذي يتلخص في ضرورة “قيام القائد بالتخطيط لمناورة تمكنه من أن يشتبك بالجزء الأكبر من قواته ضد أجزاء من قوات العدو والقضاء عليها”.

وبإسقاط استراتيجية جوميني على الهجوم الأخير على شخصية الشيخ محمد بن زايد، نجد أن الهجوم تركز على الجزء الإماراتي من التحالف السعودي/الإماراتي، مع تفادي أي هجوم على المملكة العربية السعودية، بل وإرسال إشارات إيجابية وكيل عبارات المديح للقادة السعوديين.

ويبدو أن قيادة البلدين في الرياض وأبو ظبي قد تفطنتا لهذه “اللعبة القذرة” وكان الرد ساحقا بعد الزيارة الرسمية لولي عهد المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان، والتي كان الغرض منها بعث رسائل مفادها أن التحالف بين البلدين هو تحالف استراتيجي يتجاوز الحسابات البراغماتية المرحلية.

محمد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

القادم بوست

موقع المغرب من الاصطفافات الأخيرة بين "العرب" و"العجم"

الأحد ديسمبر 29 , 2019
Share on Facebook Tweet it Share on Google Pin it Share it Email العرب نيوز24: عزيز كوراد قبل الخوض في تحليل التحولات الخطيرة التي تعرفها المنطقة العربية والإسلامية، وجب توضيح بعض المفاهيم الإبستيمولوجية والسياسية والدينية حتى لا نُتهم بالحيدة عن التوجيه الإسلامي الصحيح. حيث يبدو من منطوق عنوان المقالة توجه […]