بين تركيا وقطر والإمارات: من هم أعداء المغرب الحقيقيون؟؟

ظل المغرب لقرون من الزمان، بحكم موقعه الجغرافي، في منأى عن الاهتزازات السياسية والتدافعات المذهبية التي عرفتها بلاد المشرق الإسلامي، مع الاحتفاظ بعلاقات متميزة مع عمقه الإفريقي وانفتاحه على أوربا كقوة اقتصادية وصناعية وسياسية لها مع المغرب شراكات استراتيجي في مجموعة من المجالات، بحكم إرهاصات وإكراهات التاريخ والجغرافية.

غير أن إكراهات العولمة الاقتصادية والسياسية والإعلامية فرضت على جميع الدول إعادة بلورة سياساتها الخارجية وفق إكراهات البيئات الاستراتيجية الجديدة، بما يضمن تحقيق المنفعة الوطنية كمحدد أساسي للسياسة الخارجية للدول.

ولعل سياقات الحديث عن العلاقات بين المغرب وقطر وتركيا والإمارات، في هذا الظرفية بالذات، أمتله مجموعة من الاعتبارات، لعل أهمها:

  1. التطور الكبير للعلاقات بين المغرب وقطر خصوصا بعد إجراءات المقاطعة التي فرضتها كل من الإمارات والسعودية ومصر والبحرين على دولة قطر، رغم الهزات الكبيرة التي ميزت التاريخ الحديث للعلاقات بين الرباط والدوحة. هذه المقاطعة دفعت قطر، ربما تقية، إلى إعادة توجيه دفة خياراتها السياسية اتجاه المملكة المغربية.
  2. الانفتاح الاقتصادي الكبير لتركيا على الأسواق المغربية الشيء الذي أدى  إلى إغراق السوق الوطنية بالسلع التركية على حساب المنتوجات الوطنية، مما دفع بالسلطات المغربية، مؤخرا، إلى التفكير الجدي في إلغاء اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وتركيا والتي تم توقيعها سنة 2004 ودخلت حيز التنفيذ سنة 2006. هذا بالإضافة إلى الموقف الرسمي الأخير لتركيا من قضية وحدة المغرب الترابية.
  3. التدهور الكبير والغير مسبوق للعلاقات بين المغرب والإمارات، رغم العلاقات التاريخية بين البلدين، والتي تجاوزت في وقت من الأوقات مستوى العلاقات الاستراتيجية لترقى إلى مستوى العلاقات الأخوية بين شيوخ الإمارات والأسرة الحاكمة في المغرب.

ورغم أن الاختيارات السياسية والدبلوماسية تتم بشكل سيادي ودقيق وتغيب، في الغالب، تفاصيله عن المتابع العادي، إلا أن هذا لا يمنع من إبداء الرأي وتقييم العلاقات الخارجية للمغرب وفق ما نرى أنه يخدم الأهداف السياسية الكبرى للمملكة.

بخصوص إمارة قطر، لا يختلف المحللون أن المملكة المغربية لم تنظر يوما ما بعين الرضا إلى التحركات القطرية اتجاه المغرب، خصوصا بعد الاستفزازات الإعلامية الواضحة لقناة الجزيرة القطرية، وصلت إلى حد التطبيع مع عبارة “الصحراء الغربية”، واستضافتها لأصحاب الأطروحة الانفصالية وتمكينهم من منصة إعلامية لنفث سمومهم وتمريرها إلى الداخل المغرب حيث تنشط الخلايا الانفصالية المتماهية مع أطروحات عصابات البوليساريو. هذا بالإضافة إلى استغلال تعبيرات احتجاجية عادية وتحويلها إلى مواد إعلامية مشتعلة، وهو ما دفع المغرب، في إحدى المناسبات، إلى حد إغلاق مكتب قناة الجزيرة في الرباط والتصعيد من حدة الخطاب الدبلوماسي والإعلامي المغربي اتجاه الدوحة.

من جانب آخر لم يعد خافيا الدور الذي لعبته قطر في توفير الحاضنة المالية والسياسية والإعلامية للتنظيم الإخواني في المغرب ممثلا في حركة التوحيد والإصلاح وذراعها السياسي حزب العدالة والتنمية، حيث أصبح من الثابت تمويل مؤسسة قطر الخيرية ومسؤولين قطريين لجمعيات تابعة للتنظيم الإخواني، في إطار استراتيجية محكمة لتوسيع القاعدة الانتخابية للحزب لتكريس الاكتساح المتكرر للانتخابات البلدية والتشريعية وقيادة الحكومة المغربية في نسختين متعاقبتين.

بخصوص دولة تركيا، لا يمكن عزل المعطى الاقتصادي بالمعطى السياسي، حيث تزامن وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في المغرب مع انفتاح، بلا حدود، على الرأسمال التركي والذي نجح في إغراق الأسواق المغربية بالمنتجات التركية مما أدى إلى إفلاس عدد كبير من المؤسسات التجارية الوطنية.

ولعل ما أثار الريبة، هو استغلال وتوجيه الشركات التركية الكبرى في دعم التنظيم الإخواني في المغرب وكذا تمويل مجموعة من المواقع الإلكترونية وتوجيهها لمهاجمة خصوم تركيا في منطقة الخليج العربي في استغلال خبيث لهامش الحرية الذي تنعم به الصحافة المغربية لتصفية حسابات سياسية لا ناقة للمغرب فيها ولا جمل.

ولعل الطموحات التركية والقطرية تلتقيان في العمل معا على توسيع القاعدة الانتخابية للتنظيم الإخواني في المغرب، عبر توفير الدعم السياسي والمالي والإعلامي لضمان استمرار حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة في المغرب، وبالتالي ضمان تبعية المملكة المغربية للأجندات القطرية والتركية.

ولعل الاستراتيجية القطرية-التركية في المغرب تتقاطع مع الطرح الذي أصل له منظر التنظيمات التكفيرية بشقيها الجهادي والسياسي أبو الأعلى المودودي، حيث اعتبرت كتاباته حول “النظرية السياسية في الإسلام” مصدر إلهام ودستور عملي لتيارات الإسلام السياسي وعلى رأسهم جماعة الإخوان “المسلمين”، من خلال اعتماد الديمقراطية كآلية من الآليات المتاحة للوصول إلى الحكم بعد استكمال “الدعوة” والانتشار الأفقي في صفوف الجماهير ومن تم استثمار هذا الانتشار على مستوى صناديق الاقتراع للوصول إلى الحكومة الإسلامية عبر منظومة “الديمقراطية الإلهية”، وفق تعبيرات أبي الأعلى المودودي.

وإذا كانت قطر سباقة لاحتضان أصحاب الأطروحة الانفصالية على منصاتها الإعلامية، فإن تركيا أردوغان خصصت إعلامها الرسمي للترويج لأطروحة عصابات البوليساريو من خلال استضافتها، بالأمس، للانفصالية المدعوة أميناتو حيدر، والتي قدمها الإعلام الرسمي التركي على أنها “غاندي الصحراء الغربية”. كما وصفت قناة (TNT) التركية الرسمية المغرب ب”البلد المُحتل للصحراء”، وهي التعابير السياسية التي سيكون لها ما بعدها في تعامل المغرب مع أنقرة.

على الجانب الآخر، وأمام جهلنا التام بحيثيات الجمود السياسي والدبلوماسي بين المغرب والإمارات، فإن التاريخ والمواقف على الأرض والوقائع التاريخية تقطع بأن الإمارات العربية المتحدة كانت مواقفها دائماً منصهرة مع المواقف المغربية، وكانت سباقة لدعم المغرب ماديا وسياسيا وإعلاميا وفي أروقة جميع المنظمات الدولية والإقليمية خصوصا في ملف وحدتنا الترابية، وهو الموقف الذي لم يتأثر يوما ما حتى في أوقات الأزمات والبرود الدبلوماسي بين البلدين.

إن ثقافة الاعتراف والاغتراف من معين التوجيه النبوي الشريف الذي يقول “من لا يشكر الناس لا يشكر الله” تفرض علينا أن نعترف بما قدمته الإمارات العربية المتحدة للمغرب على مستوى البنيات التحتية والمنشآت الصحية والاستثمارية الضخمة وكذا الهبات المالية التي ساعدت المغرب على ضمان موازناته المالية والماكرو اقتصادية، ولم يسجل في حق دولة زايد بن سلطان ما يمكن أن يخدش في صورة الإمارات، رغم بعض الملاحظات على أدائها السياسي والدبلوماسي والتي تبقى في حجم النقطة السوداء في جسد الثور الأبيض.

إن ما قمنا بالتأصيل له يجعلنا ننظر بعين الريبة والشك إلى المشروع التركي-القطري في المغرب، وكيف أن هاتين الدولتين تتبادلان الأدوار للمحافظة على الوضع السياسي في المغرب بما يخدم الأجندات الإخوانية في المغرب. من جانب آخر فإن هذا التكالب على المصالح الاستراتيجية للمملكة المغربية تضع صانع القرار السياسي أمام مسؤولية إعادة تقييم اختياراته الخارجية بما يضمن تحقيق المنفعة الوطنية والأهداف السياسية للمملكة، وهو ما يدفع بالضرورة إلى الاعتقاد بأن المغرب من مصلحته الارتكان إلى الجبهة السعودية-الإمارتية لتحقيق نوع من التوازن السياسي وتفويت الفرصة أمام قوى إقليمية أثبتت القرائن أنها لم تتخلى بعد عن أطروحاتها التوسعية وحنينها إلى الماضي الاستعماري الغابر.  

محمد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

القادم بوست

استهداف ولي عهد الإمارات: محاولة لضرب مركز ثقل الخليج العربي

الأحد ديسمبر 15 , 2019
Share on Facebook Tweet it Share on Google Pin it Share it Email حسن أبو سالم تشهد وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والمنصات الإعلامية المحسوبة على التيار الإخواني أو الدول الراعية له حملة شرسة وممنهجة ضد ولي عهد الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهو الهجوم الذي يمكن فهمه […]