ضمانات الأمن القومي الإماراتي ضد مشاريع “الإرهاب المتوحش”

منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، طرح علينا أستاذ اللغة الفرنسية بالثانوية، سؤالا بقي عالقا في أذهاني ولم أجد له جوابا إلا بعض مرور السنون وانصهارنا في حقل الدراسات حول الجماعات الدينية المتطرفة. السؤال كما أذكره كان قريبا من البناء اللغوي التالي “لماذا التطرف والإرهاب يستهدف مجموعة من الدول الإسلامية ويستثني دولة مثل الإمارات العربية المتحدة والتي تميزت بانفتاح حضاري كبير، وتوجد في بقعة جغرافية تجعلها في مرمى نيران الجماعات الدينية التي لا ترى بعين الرضا للانفتاح المتعدد الأبعاد الذي تبنته دولة الإمارات”.وإذا كان الجهل بالبناءات الفكرية والتأصيلات الفقهية يشفع لنا عدم الإجابة على هذا السؤال في تلك الأيام، فإن ادعاء التخصص في الظاهرة التكفيرية تفرض علينا تقاسم قراءتنا لمحددات الجواب مع القارئ الخليجي بشكل عام والإماراتي بشكل خاص.في هذا السياق، يفرض الجواب على السؤال، مقدما، وضع القارئ في صورة الدول التي تبقى مرشحة، أكثر من غيرها، لتكون هدفا استراتيجيا للتنظيمات الإرهابية، وذلك من خلال تلاقي مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية، ترى فيها هذه التنظيمات مقدمة للتحرك الميداني في اتجاه محاولة إخضاع هذه الدول لأجندتها التخريبية.

وهنا نحيل على أهم مرجع حركي يحكم ويوجه تكتيكات التحرك عند الجماعات الإرهابية في محاولتها المتكررة لوضع يدها على الدول العربية والإسلامية التي “رشحتها الدراسات” لتكون هدفا من أهداف “التمكين”، ويتعلق الأمر بكتاب “إدارة التوحش” لمؤلفه أبو بكر ناجي والذي يقدم لنا وصفا للشروط الواجب توفرها في الدول التي يجب أن يتوجه إليها النشاط “الجهادي”، فيقول في الصفحة 16 ما نصه:   بالنظر إلى الروابط المشتركة بين الدول التي يمكن أن يحدث فيها مناطق توحش نلاحظ أنه يجمعها بعض، أو كل المقومات الآتية:– وجود عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق بها تدار بنظام إدارة التوحش.- ضعف النظام الحاكم وضعف مركزية قواته على أطراف المناطق في نطاق دولته بل وعلى مناطق داخلية أحيانا خاصة المكتظة.- وجود مد إسلامي جهادي مبشر في هذه المناطق.- طبيعة الناس في هذه المناطق، فهذا أمر فضل الله به بقاعاً على بقاع.- كذلك انتشار السلاح بأيدي الناس فيها.ومن خلال هذا الطرح يقترح المنظر الجهادي مجموعة من الدول (لا نجد فيها ذكرا لدولة الإمارات العربية المتحدة) لتكون قاعدة لنشاط التنظيمات “الجهادية” فيقول: “رشحت الدراسات القريبة لحركة التجديد والمرتبطة بالأحداث الجارية مجموعة من الدول ينبغي التركيز عليها من قبل المجاهدين حتى لا تتشتت القوة الضاربة للمجاهدين في دول لا مردود من وراء العمل المركز فيها…ثم أصبحت الدول المرشحة مبدئيا لتدخل في مجموعة المناطق الرئيسية هي مناطق الدول الآتية: الأردن وبلاد المغرب ونيجيريا وباكستان وبلاد الحرمين واليمن”.على هذا المستوى، يمكن القول بأن تشريحا للشروط التي وضعها منظر التنظيمات الإرهابية كهدف استراتيجي لمخططات التمكين يجعل من دولة الإمارات العربية المتحدة بيئة رافضة للفكر المتطرف وفي منأى عن مخططات “التوحش” وذلك راجع للاعتبارات التالية:غياب العمق الجغرافي والتضاريسي لإقامي مناطق للتوحش:من حسنات الجغرافية أن الله حبا دولة الإمارات بمجال جغرافي وبنية تضاريسية ملائمة لعملية الضبط الاجتماعي والأمني، بخلاف الدول التي تتميز بامتداد جغرافي كبير وحدود مترامية الأطراف وبتضاريس وعرة تساعد التنظيمات الإرهابية في عمليات الاختراق الحدودي والاستفادة من التضاريس الجبلية للانعزال بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. استحالة تحقق “شوكة النكاية والإنهاك”:بحكم مساحة دولة الإمارات وعدد سكانها والإمكانيات المادية التي تتوفر عليها، فإن هذه النقطة في البناء الاستراتيجي للتنظيمات المتطرفة يصعب أن تجد لها تطبيقا على أرض الواقع، وذلك راجع بالأساس إلى التقدم الأمني الكبير لدولة الإمارات وتمركزها القوي على جميع النقاط، سواء الحدودية أو الحضرية، مع سهولة التحرك على الخطوط الداخلية، بتعبير المنظر الاستراتيجي أنطوان هنري جوميني. وهو المعطى الذي يُفشل جميع مخططات “النكاية والإنهاك” التي تعتبر أولى المراحل في استراتيجية التوحش الإرهابي.غياب “المد الجهادي المبشر”: ويقصد المنظر الجهادي بهذه النقطة وجود تنظيمات “إسلامية” قادرة على تشكيل طابور “جهادي” خامس داخل الدولة. غير أن هذا الشرط لا يجد ما يسنده على مستوى البيئة الاستراتيجية الإماراتية، خصوصا بعد التعاطي الصارم لأبو ظبي مع تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، والذي كان من الممكن أن يشكل تيارا داخل الدولة يمكن أن تراهن عليه التنظيمات التكفيرية، في ظل وجود قرائن تاريخية قوية على  تحالف التنظيم الإخواني مع التنظيمات الإرهابية للإطاحة بالأنظمة السياسية (نموذج ليبيا ومصر وسوريا).

ونختم بالنقطة المتعلقة “بطبيعة الناس في هذه المناطق”، حيث برهن الشعب الإماراتي دائما على رفض قاطع لجميع الأطروحات الراديكالية والتي أدت إلى تشويه الدين الإسلامي الحنيف، بل وتحولت دولة الإمارات إلى رمز ومرجع عالمي للتسامح بين الأديان والعرقيات في ظل تعايش مئات الطوائف الدينية والعرقية على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة وهو ما تم تتويجه بزيارة البابا فرانسيس وتوقيعه إلى جانب الإمام الأكبر وشيخ جامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب على “وثيقة الأخوة الإنسانية” برعاية ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، وهو ما جعل من “بلاد زايد” تتربع على عرش الأمم المدافعة عن قيم التسامح ونبذ التطرف، ومن أشد البيئات رفضا للأطروحات التكفيرية والإقصائية، لتبقى الإمارات في منأى عن أخطار “التوحش الإرهابي” والأجندات التخريبية للتنظيمات التكفيرية.

محمد رضا الرحماني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

القادم بوست

هل اطلع محمد بن زايد على رسائل "إخوان الصفا"؟؟؟؟

الأربعاء ديسمبر 4 , 2019
Share on Facebook Tweet it Share on Google Pin it Share it Email إخوان الصفا وخلان الوفا هم فرقة من المسلمين عاصرت نهاية القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الهجري، واختلف حولهم الآراء بين منتقد ومعجب ببناءاتهم الفكرية التي حاولت اللجوء إلى الفلسفة لفهم حقيقة الوجود وطبيعة الرسائل الإلهية لاكتمال والوصول […]
هل اطلع محمد بن زايد على رسائل "إخوان الصفا"؟؟؟؟