هل اطلع محمد بن زايد على رسائل “إخوان الصفا”؟؟؟؟

هل اطلع محمد بن زايد على رسائل "إخوان الصفا"؟؟؟؟

إخوان الصفا وخلان الوفا هم فرقة من المسلمين عاصرت نهاية القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الهجري، واختلف حولهم الآراء بين منتقد ومعجب ببناءاتهم الفكرية التي حاولت اللجوء إلى الفلسفة لفهم حقيقة الوجود وطبيعة الرسائل الإلهية لاكتمال والوصول إلى صفوة النفس الإنسانية.

وباستثناء أبو حيان التوحيدي (المتوفى سنة 414 للهجرة) والذي أشار إلى أسماء رموز هذا التيار الفكري/الفلسفي (أبو سليمان محمد بن مشير البستي المشهور بالمقدسي، وأبو الحسن علي ابن هارون الزنجاني، ومحمد بن أحمد النهرجوري، والعوفي، وزيد بن رفاعة) فإن جميع المؤرخين العرب والمستشرقين لم يقطعوا يقينا برواد هذه الحركة الفكرية.

ويمكن القول أن ملخص معتقد إخوان الصفا وخلان الوفا حسب ما طرحه التوحيدي في موسوعته الرائعة “الإمتاع والمؤانسة” يدور حول فكرة أنهم “وضعوا مذهباً زعموا أنه قرَّبهم إلى الفوز برضوان الله، وذلك أنهم قالوا إن الشريعة قد دُنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى تطهيرها إلا بالفلسفة”.

إن ما يهمنا، ومن خلال اطلاعنا على رسائل إخوان الصفا الاثنان وخمسون (52 بالإضافة إلى الرسالة الجامعة)، هو الهامش الكبير الذي خصصه “خلان الوفا” لمبدأ التسامح ورفعوه إلى درجة القيمة الإنسانية المطلقة. لذلك اعتُبرت الرسائل “ثورة” في اتجاه تحقيق مبدأ “الإنسانوية” أو “أنسنة الخلق” وذلك قبل قرون من احتضانها من طرف البيئة الأوربية لتصبح العقيدة المسيطرة على العلوم الانسانية والاتجاهات الفكرية في القارة العجوز.

في هذا الصدد، انتقدت الرسائل جميع المذاهب المتحزبة والمتعصبة، ورفض إخوان الصفا أن يُحسبوا على أية جماعة حزبية متعصبة، ودفعوا بأنهم لا ينتسبون إلى أية فرقة وأن جميع الفرق تنتسب إليهم. لقد أسسوا لقاعدة مهمة جدا عندما اعتبروا بأن التسامح ليس قيمة إنسانية أو توجيه ديني وإنما هو ضرورة وجودية، حيث آمنوا بضرورة وجود الآخر وحتمية التعايش معه.
ولعل قوة رسائل إخوان الصفا تكمن في وقوفها عند نقطة الضبط والربط في العلاقات الإنسانية وخصوصا في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان واعتبرت أن ظاهرة “التعصب” هي المرض الذي فتت كيان المجتمع الإسلامي ومنعه من قطف بواكير التنمية والازدهار وهو ما ميز تلك الفترة من العصر العباسي.

لقد كرست رسائل إخوان الصفا أزيد من 200 صفحة للبرهنة على أن الإنسان المتحزب والمتعصب والمتطرف يوجد في درجة أقل من الحيوان بمراحل، وأن الشخص المتعصب لدين أو لعرق أو لبيئة جغرافية لا يستحق أن يُلقب ب “الإنسان”.

إن البحث بين المناهج الفكرية والأنظمة السياسية، تجعلك تقف عند النموذج الإماراتي، كأرقى النماذج في تكريس القيم والمبادئ التي أصلنا لها أعلاه، حيث نقفـ، بالضرورة، عند شخصية الشيخ محمد بن زايد الذي نهج أسلوبا يقترب من البنية السلوكية لإخوان الصفا من خلال إعمال العقل واستثماره لتنزيل الشريعة الإسلامية في أبها حلتها حتى يمكن استقبالها وتقبُّلها من الجميع بعيدا عن منطق الاستعلاء والتعصب الذي رأى فيه محمد بن زايد أكبر خطر يهدد عقيدة التسامح التي تعتبر حجر الزاوية في البناء العقدي لجميع الرسائل السماوية.

لقد ساهم ابن زايد في نشر قيمة إنسانية عُليا، ربما لم يسبقه إليها إلا إخوان الصفا أنفسهم، وهي المرور من القاعدة التي تقول ب”ضرورة التسامح مع الآخر” إلى قاعدة “ضرورة وجود الآخر”. هذا الطرح يجد ما يسنده على الأرض من خلال الإمكانيات الهائلة التي توفرها دولة الإمارات العربية المتحدة لكل من يريد العيش فوق أرضها حتى يُحسَّ بأن وجوده ضروري وإيجابي في البناء المجتمعي وليس فقط منحة أو هبة يتكرم بها عليه حكام وشعب الإمارات. ولذلك عندما تزور هذا البلد أو تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي تجد بأن الفرد الإماراتي مهيء نفسيا وفكريا لقبول واستقبال الآخر وهي القيمة التي لم تترسخ حتى في المجتمعات التي كانت عرابة لأفكار الإيخاء والعدالة والإنسانية.

من هنا نجد أن ولي عهد الإمارات آمن بإلزامية المرور من ضرورة التسامح مع الآخر إلى ضرورة وجود الآخر لأن وجود الثاني مرتبط بوجود الأول بشكل ديالكتيكي. ولعل احتضان الإمارات للقاء التاريخي بين القس فرانسيس والدكتور أحمد الطيب الإمام الأكبر شيخ جامع الأزهر وتوقيع “وثيقة الأخوة الإنسانية”، بالإضافة إلى إطلاق “عام التسامح” على سنة 2019، وإعلان حرب وجودية على الإرهاب والتعصب والتطرف، كلها دلائل تشير إلى أن “عقيدة التسامح” وضرورة قبول الآخر قد تمكنا من عقل وجوارح محمد بن زايد حتى تحولت إلى سياسة دولة ونظام حياة تتنفس من خلاله جميع مكونات الشعب الإماراتي في انتظار النجاح في تصديره إلى باقي الشعوب العربية والإسلامية والتي لازالت تعاني من بعض مخلفات التعصب والتطرف اللذان أخرَّا بشكل كبير فرص الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي وأيضا الإنساني لهذه الدول.

د. عبدالحق الصنايبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

القادم بوست

بين تركيا وقطر والإمارات: من هم أعداء المغرب الحقيقيون؟؟

الأحد ديسمبر 8 , 2019
Share on Facebook Tweet it Share on Google Pin it Share it Email ظل المغرب لقرون من الزمان، بحكم موقعه الجغرافي، في منأى عن الاهتزازات السياسية والتدافعات المذهبية التي عرفتها بلاد المشرق الإسلامي، مع الاحتفاظ بعلاقات متميزة مع عمقه الإفريقي وانفتاحه على أوربا كقوة اقتصادية وصناعية وسياسية لها مع المغرب […]