يوسف العتيبة: رجل دولة في قلب مسلسل صناعة القرار الأمريكي

العرب نيوز 24:

أسالت تصريحات السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة التي أدلى بها لمعهد هوفر الأمريكي، الكثير من المداد، خصوصا في الداخل الإماراتي حين انبرى بعض المغردين إلى مهاجمة وانتقاد جانب من حديثه حول فصل الدين عن الدولة وجعلوا منه قميص عثمان للركوب عليه وتمرير خطابات ملغومة وغريبة على البيئة الإماراتية. وبالرغم من أن اللقاء كان غنيا بالمواضيع المصيرية التي تهم المنطقة وعلى رأسها الاتفاق النووي مع إيران، وأجندة طهران المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة بالإضافة إلى دبلوماسية المحاور التي تناولها العتيبة بدهاء  كبير ووصولا إلى مسألة مغادرة القوات الأجنبية للمنطقة، إلا أن البعض تمسك بجزئية هامشية ليست لها أية إسقاطات على البيئة الاستراتيجية الإماراتية.

على هذا المستوى من التحليل، انبرى يوسف العتيبة إلى مهاجمة السلوك العدواني لإيران في المنطقة والحرب بالوكالة التي يقودها نظام الملالي عن طريق أذرعه العسكرية المنتشرة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما لمح إلى ضرورة التعامل بذكاء مع الاتفاق النووي مع إيران وضرورة مراجعة مجموعة من بنوده، والأهم من ذلك أنه نبَّه، بجرأة كبيرة، إلى أن حصول إيران على صواريخ نووية من خلال الالتفاف على بنود الاتفاق النووي سيعطي الحق لدول المنطقة للمطالبة بالاستفادة من نفس الامتياز والدفاع عن حقها المشروع في امتلاك التقنية النووية للدفاع عن نفسها وتحقيق “توازن الرعب” في المنطقة كاستراتيجية دفاعية متعارف عليها.

وإذا كنا لا نملك حق التدخل في نقاش إماراتي-إماراتي يفترض أن يتناوله أهل الدار دون غيرهم، إلا أن إعجابنا بالنموذج الإماراتي، والذي جعل من هذه الدولة مضربا للمثل من خلال الكم الهائل الذي تحقق من إنجازات لم يكن أكثر المتفائلين العرب، إلى عقود قليلة مضت، يحلم بها، يدفعنا إلى التنبيه إلى بعض التعبيرات السلوكية التي ربما تهدد هذا النموذج الذي يسعى البعض، في الغرب والشرق، للنيل منه وبالتالي إسقاط أحد أنجح نماذج الحكم في المنطقة والذي حقق مستويات من التطور والرفاهية والسعادة لم تصلها أية دولة في المنطقة، وربما في العالم أجمع.

ولعل ما يثير القلق هو تماهي هذه الانتقادات مع الهجمات التي خاضها الإعلامي المعادي في المنطقة ضد تصريحات العتيبة وركوبه على تغريدات بعض الإماراتيين وتصوير الموضوع على أنه مس بالأمن الروحي والعقدي لدولة الإمارات، وهو ما شكل فرصة مواتية للآلة الدعائية الإخونجية ومن يدور في فلكها للنهش في النموذج الإماراتي المتفرد في المنطقة.

إن الخط الديني والسياسي لدولة الإمارات، الملتزم والمدافع عن عقيدة التسامح والتعايش وقبول الآخر، ونبذ خطاب الفرقة والإقصاء والكراهية، جعل من أبو ظبي هدفا استراتيجيا ثابتا لبعض دول المنطقة وأيضا لبعض الإيديولوجيات العابرة للقارات، وهو ما خلق ردة فعل عكسية إيجابية ساهمت في تقوية اللحمة الوطنية الداخلية التي تجندت لمواجهة الأجندات التخريبية التي يستفزها النجاح الذي وصلت إليه هذه الدولة الخليجية، في الوقت الذي لم تنتج هذه التنظيمات المؤدلجة شيئا سوى ثقافة الإرهاب ورائحة الدماء والجثث والأشلاء.

وأمام هذا الإكراه الوجودي، كان على أصحاب أطروحة “اللحى أو تنحى”  وأيتام عثمان الخميس أن ينتبهوا إلى أنهم يقدمون هدايا مجانية لأعداء الدولة من خلال تشجيعهم على اللمز والغمز في المشترك العقدي لدولة الإمارات وأُسقط من أيديهم أن حديث العتيبة كان موجها لطبقة سياسية معينة ولمجتمعات بعينها وللوبيات متغلغلة في صناعة القرار السياسي الأمريكي، خصوصا وأن السفير الإماراتي تناول مجموعة من المواضيع على أعلى مستوى من الأهمية وهو ما يقطع بأن هذه الشخصية الدبلوماسية متمكنة من الملفات المصيرية للدولة وبأنها على اطلاع على ما يدور داخل المطبخ السياسي الأمريكي وهو ما جعلها تحقق اختراقا مهمة في مسلسل صناعة القرار الأمريكي في ظل الحديث عن قرب الحسم في صفقة طائرات  F35، والتي ستساهم في تقوية القدرات العسكرية لدولة الإمارات وهو ما يشكل ضمانة إضافية للأمن القومي الإماراتي.

لقد أبان المهاجمون على العتيبة عدم نضج واضح وسطحية كبيرة في تناول تصريحات الدبلوماسي الإماراتي، في الوقت الذي يجتهد فيه أعداء الإمارات، وعلى رأسهم الإخوان “المسلمون”، في تقديم أنفسهم كجبهة موحدة رغم التطاحنات الداخلية التي يعيشون على وقعها. وحتى عندما التقى أعضاء من جماعة الإخوان مع أعضاء من مجلس العموم البريطاني وعبروا عن مواقفهم الإيجابية من المثلية والشذوذ والحقوق الفردية المطلقة والتي يقطع الإسلام بتحريم بعض مظاهرها، لم يخرج إخواني واحد لا من القيادات ولا من الأتباع لينتقد هذه المواقف، واعتبروها مما يدخل في خانة “الضرورات التي تبيح المحظورات” و “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، وجعلوا مبدأ الثقة والطاعة للقيادة مقدم على بعض التفسيرات والتأويلات التي لا تخدم مصالح التنظيم. لقد أثبت أصحاب هذه المواقف المثيرة للجدل، والحمد لله على قلتهم وفقر حيلتهم، عن قصور كبير في استيعاب المصالح الكبرى للدولة وتسرعا غير محسوب في التعقيب على شأن ليس من اختصاصهم ولو أنه صمتوا وانصرفوا إلى ما ينفعهم لكان خيرا لهم لأن مصالح الدول الكبرى لا يمكن أن تكون مجالا للمزايدات والمجادلات من طرف أشخاص تثير بنيتهم السلوكية وخرجاتهم على منصات التواصل الاجتماعي العديد من علامات الاستفهام.

محمد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

القادم بوست

ألسنة اللهب

الأحد أغسطس 22 , 2021
Share on Facebook Tweet it Share on Google Pin it Share it Email العرب نيوز24 د. عبد الحق الصنايبي من قال أن الفقر مفتاح الخضوع للفكر التكفيري؟ ومن قال بأن الصراع الطبقي هو جواز السفر نحو التنظيمات المتطرفة؟ ومن ادعى بأن رغد العيش وتطور العمران يُحصن الإنسان من تبني أطروحات […]

قد يعجبك